رندة العزير – استنفرت جائحة كورونا كل جهود جمعية الهلال الأحمر العراقي، فأطلقت برنامج “طبيبك” لإرشاد الناس وتوعيتهم وتحويلهم إلى المسار الصحيّ المناسب بحسب حالاتهم. وفي حوارنا مع رئيس الجمعية، الدكتور ياسين عبّاس، تطرّقنا إلى كيفية تعامل المواطنين مع الجائحة التي لم تغيّر الكثير من سلوكياتهم، مع أنها تسبّبت في قطع الأرزاق وكشفت عن عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد. وشدّد الدكتور عبّاس على الحاجة إلى تقوية “الحدّ من مخاطر الكوارث وإدارتها” لحماية السكّان وإبقاء واجتذاب الاستثمار المحلي والأجنبي.

لماذا برأيكم لم يتحسّن الوضع في العراق بالنسبة لفيروس كورونا بالرغم من الإجراءات المُتّخَذة؟

هذه مسألة غاية في الأهمية. أيّ أجراء يتمّ اتخاذه في حالة الجائحة، ما لم يتعاون المواطنون معه ويدركون أهميته، لن يكون إجراءً ناجحاً. منذ البداية، كان واضحاً أن الإجراءات التي تمّ اتخاذها تناولت الجانب الصحي دون أن تنظر إلى الواقع المعيشي. في المرحلة الأولى، تمّ تطبيق حالة منع تجوال في أنحاء العراق. ويعني منع التجوال ببساطة انقطاع أرزاق المواطنين الذين يعتمدون على ما يجنونه من عملهم اليومي. لا أظن أن المواطنين سوف يحترمون مثل هذا القرار لأنه سيؤثّر على أرزاقهم وأرزاق عوائلهم، ولن يكون أمامهم إلا خيارٌ واحد هو كسر هذا الحظر.

النقطة الثانية في تصوّري وهي الأهم مسألة التباعد الاجتماعي. ولا أقصد التباعد الجسدي، وإنما الاجتماعي. فالمناسبات الاجتماعية لم تنقطع أبداً، وأعني بذلك مجالس العزاء مثلاً. وهي مجالس اجتماعية يتجمّع فيها الأهل، والأقارب، والأصدقاء، والجيران، وأهل المنطقة وكل من له معرفة بالمتوّفي. يتواجدون بشكل مكثّف في سرادقات وجوامع وقاعات، ويحضرون 3 أيام من العزاء كما تقتضي العادات في العراق. التباعد الاجتماعي لم يكن مطبَّقاً، كذلك الحال مع التباعد الجسدي داخل هذه المناسبات. استمرّت المصافحة وحتى العناق. هكذا تتصوّرين العدد الهائل من الناس الذين يرتادون هذه التجمعات وكيفية انتقال المرض من خلالها. بالإضافة إلى أن عمليات التزاور أثناء منع التجوال لم تهدأ، على العكس من ذلك، نتيجة تعطيل العمل، زادت الفرصة أمام الجميع الذين بدأوا يسهرون ويلتقون صباحاً وظهراً ومساءً.

هل تجدون أن التعليم والثقافة من العوامل التي تساعد على الوعي تجاه خطورة فيروس كورونا؟ وكيف تتعاملون مع الناس الذين يؤمنون فقط بالقدر وما كُتب لنا؟

التعليم يلعب دوراً أساسياً ومباشراً في عملية تقبّل وإدراك المعلومات. ولكن في هذه الأيام، نلاحظ تشويشاً على العقول من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وللأسف، يأتي بعض هذا التشويش من أوساط ذات مستوى ثقافي وتعليمي عالٍ. واليوم نجد أحياناً تناقضاً، وإن كان قليلاً إلا أنه مثبّت، بين مفاهيم تُطلقها مجموعات تتمتّع بدرجة عالية من الثقافة والتعليم ومفاهيم أخرى تتبنّاها نفس هذه المجموعات مع أنها لا تنسجم مع درجة وعيها.

يتمّ الحديث مؤخراً، في الدول الغربية على الأخصّ، عن مفهوم “التعب من كوفيد-19” كظاهرة منتشرة بين الناس، وبالذات فئة الشباب. هل ينطبق هذا الأمر على العراق أو على أجزاء منه بالتحديد؟

نعم هذا ينطبق على العراق، وأعتقد أنها طبيعة بشرية لا علاقة لها بدولة دون أخرى. تعبِّر الإجراءات الأخيرة في العراق عن هذا التعب وتتّضح من خلال فتح كامل للمؤسسات. أصبحت المطاعم والمقاهي والمحلات العامة كلها مفتوحة، وهذا تعبير عن حالة التعب من كوفيد-19.

قبل كورونا كان العراق ما زال يعاني من أزمات اجتماعية واقتصادية وسياسية، كيف انعكست سلبيات الفيروس على الوضع العام للبلاد؟

جاءت الانعكاسات بشكل مباشر على بعض الفئات، وبشكل غير مباشر على نفس الفئات أو على فئات أخرى. نتيجة فيروس كورونا، توقفت الكثير من الأعمال في العراق. مثلاً، أقفل قطاع الخدمات والمطاعم تقريباً بالكامل. وهو قطاع يُشغِّل أعداداً كبيرة من المواطنين، ونتيجة توقفه تعطّلت قطاعات أخرى مرتبطة به، وهذا سبب مباشر لانقطاع أرزاق العديدين ممن ذكرت في البداية أنهم يعتمدون أساساً على تحصيل رزقهم بشكل يومي من دون وجود أية ضمانات أو حماية في حال توقف هذه الأعمال.

الموضوع الثاني هو هبوط أسعار النفط، والذي أثّر بشكل مباشر على عديد من الأعمال التي ترتبط بإنفاق الدولة، كالمقاولات والأعمال المرتبطة بالشركات الحكومية، وشرائها من الأسواق، كذلك أجور بعض الموظفين أو من يعمل بشكل يومي أيضاً لدى الحكومة. قطع انخفاض أسعار النفط الكثير من الأعمال وتمّ الاستغناء عن العمالة اليومية. وتواجدت الحكومة في موقف صعب جداً لتأمين رواتب الموظفين الدائمين، مما أدى إلى تضرّر بعض الذين يتقاضون أجوراً يومية من عملهم مع الحكومة.

“طبيبك” للإرشاد والمساعدة

هل هناك مبادرات معينة ترغبون في التركيز عليها أو تعتقدون أنها لعبت (أو تلعب) دوراً إيجابياً في حماية السكّان؟

ضمن برنامج التوعية الشاملة الذي تبنّاه الهلال الأحمر العراقي منذ نهاية شهر كانون الثاني الماضي، أطلق الهلال مشروع “طبيبك” بسبب كثرة الآراء المشوِّشة لعقل المتلقي بشأن كورونا. ووزّعنا أرقام تلفونات عدد من الأطباء يُرشدون، في توقيتات محددة، من يُشتَبه بإصابتهم أو من أصيبوا إلى أفضل الطرق للتعامل مع المرض. ويتلقّى أطباؤنا أعداداً كبيرة من الاتصالات فيرشدون المتّصلين إلى طريقة مراجعة المؤسسات الصحية عندما تتطور حالته، وعدم تشجيعه على إهمال الإرشادات الصحية المعتمَدة من الجهات الصحية في العراق، وكذلك تعليمات منظمة الصحة العالمية.

لقد فاتحنا الحكومة العراقية بشكل رسمي وعبر كتاب موقَّع من قِبَلي وقدّمناه في اجتماع بشكل مباشر إلى رئيس “خلية إدارة الأزمات المدنية” التي تتشكّل من الجهات المعنية بالتهيؤ والاستجابة للكوارث. وأنا أمثّل الهلال الأحمر العراقي في هذه اللجنة، وهي على مستوى وطني عالٍ برئاسة رئيس الوزراء. طلبنا من الحكومة تبنّي مفهوم “الحدّ من مخاطر الكوارث”. كما تعرفين أن العالم والمستثمرين يقيّمون أوضاع الدول بحسب قدرتها ومرونتها الكافية أثناء حدوث كوارث سواء أكانت طبيعية أو من صنع البشر. هكذا يحسبون مخاطر الاستثمار وإقامة المشاريع بناءً على قدرة الدولة على التعامل مع الكوارث بكل أشكالها. وعدم وجود مثل هذه الخطط يرفع مستوى المخاطر في الاستثمار بالنسبة للمستثمر الأجنبي والمحلي على حدّ سواء. وبالتالي ستكون هناك تأثيرات اقتصادية واجتماعية سلبية تتحوّل إلى تأثيرات سياسية سلبية تؤدي إلى عدم استقرار سياسي وربما عدم استقرار أمني.

وطلبنا في حينها مساعدة ا الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر  لدعمنا تقنياً إذا استجابت الحكومة، وقد فعلت ولكن عاش البلد حالة عدم استقرار بسبب النواحي المعيشية التي أثّرت على عملية الاستقرار السياسي. وكانت هناك مظاهرات واضطرابات ربما تزامنت مع ما حدث في لبنان. وبعدها جاءت جائحة كورونا. يجب على الجميع استيعاب أن “الحدّ من مخاطر الكوارث” لأي بلد ليس رفاهاً وإنما ضرورة وأساس لأية عملية تنمية لتحقيق التقدّم والاستقرار. والمفترض أن الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، وبالذات الجمعيات الوطنية، والاتحاد، معنيّن بتوجيه نظر الحكومة لإعداد خطط للطوارئ. حتى الآن لم تقم الكثير من الحكومات بإعداد خطط في هذا المجال. وهذه مشكلة حقيقية لأننا قد نجد أنفسنا أمام كوارث أخرى، مثلما حدث مع جائحة كورونا، من دون خطط حكومية لمواجهة هذه الأمور. لهذا نرى أن تأثيرها على بلداننا كبير، وقد تأثرت بها الفئات الأكثر ضعفاً من المجتمع.

لا شك أن الفيروس متواجدٌ بين مقدّمي الرعاية والخدمات الصحية في الصف الأمامي، ولا يُعتبر المتطوعون والعاملون في الهلال الأحمر العراقي استثناءً على القاعدة. ما هي إجراءت ضبط انتشار الحالات بينهم وكيف تتعاملون مع الإصابات داخل صفوف الجمعية؟

منذ البداية، أدركنا وجوب اتباع ثلاث خطوات بسيطة من قِبَل منتسبينا، وهي: نظافة اليدين، ولُبس الكمامة، والتباعد الجسدي. لذلك، أصدرنا قرارات واضحة بتخفيف الأعداد المتواجدة في المكاتب، وبتحديد الأعداد المتواجدة ضمن الفرق الميدانية، وشدّدنا بطريقة تثقيفية واضحة على أهمية اتخاذ الخطوات اللازمة من أجل نظافة اليدين، وارتداء الكمامة. وقد نجحنا بشكل كبير في تفادي الإصابات داخل أنشطتنا أو من خلالها وداخل مؤسساتنا. ولكن هذا لم يمنع من أن يُصاب موظفو الهلال ومتطوّعوه عبر اختلاطهم المجتمعي بعوائلهم أو بأفراد المجتمع الذين اختلطوا بهم بشكل أو بآخر. كانت هناك إصابات، وأعتقد أن 99 بالمئة، إن لم تكن مئة بالمئة، من الإصابات جاءت من خارج الجمعية.

هل ما زلتم قادرين على توفير خدمات الجمعية المعتادة بشكل يومي (مثلاً الإسعافات، والدعم النفسي، إلخ…) بالرغم من احتلال فيروس كورونا الأولوية على رأس لائحة الخدمات؟

إن الدعم النفسي-الاجتماعي مستمر في الوقت الحالي، وخصوصاً للمرضى وعوائلهم، وللكوادر الصحية والطبية التي بدأت تعاني من الإرهاق والقلق أيضاً. نقدّم الإسعافات الأولية الآن عن طريق خدمات سيارات الإسعاف، وإن كانت بمعدل أقل من السابق. وأعتقد في الحقيقة أن علينا كهلال أحمر أن نعود ونمارس أنشطتنا بشكل طبيعي، ولكن تدريجياً عبر التعايش الآمن.

ماذا يعني لك شخصياً أن تكون رئيس جمعية الهلال الأحمر العراقي في زمن كورونا؟ ما هي أصعب التحديات التي عليك مواجهتها؟

كَوْني رئيس جمعية الهلال الأحمر العراقي في مثل هذا الظرف وفي بلد مثل العراق حيث تتعدّد وتتنوّع المعاناة الإنسانية، يعني شيئاً واحداً: الاستمرار في محاولة ابتكار كافة الوسائل. لا يجب أن نتّبع الوسائل  التقليدية، وإنما علينا أن نبتكر أساليب جديدة لتتواصل استجابتنا للحاجات الإنسانية الكبيرة الناشئة من كورونا ومن غير كورونا. وهذا هو التحدي الأساسي. الحمد لله لم نتوقف في الهلال الأحمر العراقي، واستطعنا رغم تعطّل الحياة في العراق لفترة معينة أن نمارس أنشطتنا وفقاً لاحتياجات لسكّان الناتجة عن هذه الجائحة. كهلال أحمر عراقي، أعتقد أننا اجتزنا الكثير من المراحل في تحقيق أهدافنا الإنسانية، وفي تحقيق متطلّبات الناس المتنامية.

من التحديات الأخرى، كيفية الحفاظ على نشاطات المؤسسة وفاعليتها وكوادرها رغم ممارستها لأنشطتها الإنسانية، وأتكلم هنا خصوصاً عن الكوادر العليا التي استمرت بالتواجد اليومي، ليلاً نهاراً، وبشكل غير منقطع على الرغم من الظروف الصعبة التي مررنا بها.