رندة العزير: الناس هم دائماً المحور والهدف الأساسي.

عندما ترى صديقك يموت أمام عينيك، لا تكفي كل التعابير والكلمات لوصف الصدمة والحزن الذي يعتصر كل جزء من عقلك وجسمك. هذا ما حدث تماماً مع محمد طارق الأشرف، المُسعِف المتطوّع سابقاً مع جمعية الهلال الأحمر العربي السوري والذي يعمل حالياً منسقَ وحدة إدارة الكوارث في فرع حمص في الجمعية. “حين استشهد زميلي وصديقي، حَكَم دراق السباعي، اجتاحتني موجة من الحزن الشديد. كنّا نتبادل الحديث عندما تلقّينا اتصالاً لإسعاف حالة طارئة. كان هو مع فريق إسعاف آخر، وكان مسموحاً للهلال الأحمر العربي السوري بالتحرّك أثناء الليل. وقد أخذ فريق حَكَم المهمة على عاتقه، لكنه تعرّض لإطلاق النار بينما يقوم الفريق بعمله. وكنت أنا واحداً من المُسِعفين الذين حاولوا مساعدته ومساعدة الآخرين. كان علينا نقلهم إلى المستشفى حيث فارق حَكَم الحياة. كان الأمر صعباً جداً، وما زلت أذكر كل تفاصيل حديثنا الأخير، وصوته، وابتسامته”.

تردّد الأشرف ورفاقه المتطوّعون، وكانت تتنازعهم فكرة الاستمرار في العمل أو التوقف عنه. وأوضح أن “أهل حَكَم أصرّوا على أن نواصل القيام بعملنا، وهو ما كان سيرغب به ابنهم لمساندة المجتمع الذي يحتاج إلينا. حتى الآن، ساهمنا في إيصال المساعدات الإغاثية إلى 129,420 عائلة بما مجموعه 594,000 شخص ضمن محافظة حمص والإشراف على الجودة والمُساءلة في تطبيقها”.

أمّا قصة معاذ المالكي، الذي بدأ كداعم نفسي مع جمعية الهلال الأحمر العربي السوري في 2012 وأصبح الآن منسّق قطاع المنطقة الجنوبية بإدارة المياه وإعادة التأهيل في فرع دمشق بالجمعية، فقد أخذت منحى الصدمة الشخصية. قال لنا: “بعدما انتهينا من إحدى تدخلاتنا الطارئة لإضافة مادة الكلور من أجل تعقيم المياه التي تصل إلى مدينة دمشق وإضافة المازوت إلى محطة ضخّ المياه لتشغيلها، تمّ اختطافي واحتجازي لمدة خمس ساعات طويلة. وبفضل جهود بعض جماعات المجتمع المحلي والجهات المختصّة ووعيها بدور المنظمات الإنسانية، تمّ الإفراج عني وعن المرافقين معي وعن آلياتنا واستطعنا الخروج من المنطقة”.

بالنسبة للمتطوّعة دنيا معين عبدالله، قائدة فريق الإسعاف الأول في جمعية الهلال الأحمر العربي السوري، يتمثّل العائق الأساسي أمام أداء عملها في الحالة الإنفعالية التي تصيب مرافقي المريض. لا يستطيعون عادة المساعدة في اتخاذ القرار بشأنه، مما يصعِّب مَهمة الإسعاف، خاصة حين يتجمهر الناس في المكان. وقالت عبدالله: “إن ضعف الإمكانيات المالية يجعل الخيارات محدودة، مثلاً في الحالة التي تتطلّب استخدام جهاز التهوئة الآلي، والذي لا يتوفّر إلا في المستشفيات الخاصة”. وقالت عبدالله: “لا أبالغ عندما أقول إن عملنا هو بمثابة الفرق بين الحياة والموت للشخص الذي يحتاج إلى إنقاذ. وكوني جزءاً من هذا العمل يخفّف لديّ الإحساس بالإحباط تجاه جميع الكوارث والأزمات الإنسانية، وبالذات في بلدي. ما يحرّكني ويُشعرني بالحماسة هو حقيقة أننا، وبالرغم من قدراتنا المحدودة، نصنع فرقاً في حياة العائلات ومستقبلها”. كما تحفّزُ عبدالله فكرةُ “إنقاذ حياة الناس” وإبعادُ المريض عن أي مصدر للضرر أو الأذى لوقف النزيف وتحسين شفائه بالأجهزة القليلة التي بحوزتها.

حدثٌ واحدٌ مرّت به عبدالله ملأها بالتفاؤل، والعذوبة، والأمل. وقد بقي معها في كل حالة إنعاش تقوم بها. رَوَت لنا كيف أن “طفلاً سقط من الطابق الأول وتمّ نقله إلى مركزنا عندما كنت الشخص المناوب. توقف قلبه عن الخفقان، وكان بحاجة مُلِحَّة للإنعاش القلبي الرئوي. وفي أقل من 15 ثانية، بدأت العملية، وبعد دورتين كاملتين، استعاد الطفل ضربات قلبه عقب شهيق عميق. لم أصدّق وسط مزاح فريق المُسعِفين. ولم تتمكّن يداي من التوقف عن عملية الإنعاش فيما علِقت على وجهي وفي قلبي ابتسامة بلهاء”.

فيما بدأ سكّان مدينة حمص القديمة يعودون إلى منازلهم، امتلأت عينا أحد المستفيدين من مشروع تأهيل المنازل بالدموع وشكر الأشرف قائلاً: “أخيراً، عدت إلى بيتي اليوم وخرجت من مركز الإيواء ويمكنني تحصيل لقمة العيش بكرامة. لولا جمعية الهلال الأحمر العربي السوري، لما استطعت الرجوع إلى بيتي. المتطوّعون في الجمعية هم جزء من عائلتي”. في تلك اللحظة، كانت سعادة الأشرف لا توصف وأدرك التأثير الملموس للمشاريع الإنسانية في الجمعية.

أخذت قصة المالكي المنعطف الأروع، وأخبرنا أنه “في العام 2015، انضمّت فتاة رائعة مميزة إلى جمعية الهلال الأحمر العربي السوري كمهندسة مياه. ثم أصبحت زوجتي الآن، وسوف نحتفل في الشهر المقبل بالعيد الثالث لميلاد ابننا الجميل”.

بعد مرور 15 عاماً مع جمعية الهلال الأحمر العربي السوري، يعتقد الأشرف أن ما دفعه للاستمرار في تكرار نفس العمل هو بناء الفريق، وروح العمل الجماعي، والتقدير المستمر، والتدريب المتواصل، وتطوير المهارات القيادية، والمشاركة في صناعة القرار. بينما يقول المالكي إن “الاحتياج الموجود في سوريا وعلى الأرض كبير جداً ويفوق قدرة وطاقة جميع الشركاء والداعمين الذين يحاولون بشدّة مساعدة الناس المتضرّرين وجمعية الهلال الأحمر العربي السوري. ولكن مشاركتي في العمل الإنساني لتحسين سبل عيش الأفراد والحفاظ على كرامتهم يمنحني حالة من الاكتفاء من دون السؤال الأزلي “ما الذي أستفيده شخصياً من هذا الأمر؟”.