“إذا أعطيت من ثروتك، فإنك تعطي القليل. ولكنك تعطي حقاً عندما تعطي جزءاً من ذاتك”.جبران خليل جبران، من كتاب النبي

رندة العزير – لا يؤخَذ التطوّع مع جمعية الهلال الأحمر العراقي بخفّة نتيجة الاضطرابات والانقسامات التي تتصارع معها البلاد منذ عدة عقود. يستعيد إبراهيم علي إبراهيم، وهو متطوّع مخضرم مع الجمعية، حادثة تركت فيه أثراً بالغاً. “ما زلت أتذكّر بمشاهد شديدة الوضوح ما حدث معي في 2010. كنت ما زلت متطوّعاً جديداً عندما نجوت من القتل. كنت أحمل بعض الرسائل من المعتقلين إلى ذويهم عبر الصليب الأحمر في تلك الفترة وأنا مسافر من بغداد إلى بابل على متن باص مع مجموعة أخرى من الركّاب المدنيين. صادفنا في طريقنا نقطة تفتيش تابعة للقاعدة في منطقة اللطيفية. صعد إلى الباص أحد الرجال المسلّحين، وكان عراقياً، وبدأ يُجري عملية تفتيش دقيقة، ما أرعبني حتى العظم. ماذا لو انتزع مني محفظتي وترجم عملي مع الصليب الأحمر على هواه معتقِداً أنهم الصليبيون؟! سألني عن هويتي، فقلت له إنني تلميذ وكان هذا التعريف حقيقياً، بينما يتردّد في الخارج صدى أصوات طلقات نارية. كل ما كنت أفكّر فيه حينها “ماذا لو أمرَني أن أنزل؟”، عندها ما كنت لأعرف أي خط للرجعة. كل ما كنت سأواجه هو مصير مؤسف”.

كلما استرجع إبراهيم تلك الحادثة، يعيش تفاصيل مشاهدها المخيفة مرة أخرى بكل قوة. “لولا تدخّل امرأة كانت بين الركّاب وكلامها بنبرة أمومية مع الرجل المسلّح، لكنت سأنتهي نهاية فظيعة. وبعد ثلاثين دقيقة من الصمت الكامل، فتحت فمي لأشكر منقِذَتي”. تختلف القصة تماماً عندما نصل إلى لحظة تهدّد حياتنا. “عندما تعرف أن الشخص قبالتك لا يأبهُ بأي شيء، عندما تعرف أن لا أحد يحميك، تشعر باقتراب نهايتك. تمّ إفراغ السيارات التي كانت أمامنا من ركّابها الذكور الذين قُتِلوا رمياً بالرصاص. كنت سأنضمّ إلى هؤلاء الرجال سيئي الحظ!”.

واصل إبراهيم مساره وحصل على العائد “عندما سلّمت رسالة واحد من المعتقلين الذين اعتقدتْ والدته أنه قُتِل على يد الأميركيين. عندما نقلت الأخبار السعيدة، هرول نحوي الأب بكل ما أوتيَ من قوة وقبّلتني الأم أربع مرات. شعرت في تلك اللحظة أني أشعُّ بفخرٍ بطولي”.

ولكن التطوّع مع جمعية الهلال الأحمر العراقي لا تعني دائماً نهايات سعيدة. لا بدّ من مرور فترات شائكة. بعدما أنقذ إبراهيم طفلة في عمر الخمس سنوات صدمتها سيارة في 2017 عندما كان مُسعِفاً مع الجمعية ما بين كربلاء وبابل أثناء عاشوراء، لفظت أنفاسها الأخيرة في المستشفى لاحقاً بعد بضعة أيام. وفي وصفه للحالة، قال: “وقعت الطفلة على بُعدِ أمتار من موقع الحادث بسبب قوة تأثير الاصطدام وكانت غائبة عن الوعي. رأسها كان مصاباً. ورأيت الحزن الحقيقي والمأساة في عيون أمّها وأخيها. الدم كان علامة على نزيف محتَمَل في الرأس. كان هناك نبض، ولكن بلا تنفّس. شرعت في إجراء الإسعافات الأوّلية بطريقة محمومة، ثم تقيأت الطفلة الدم واستعادت تنفّسها وبدأت بالبكاء”.

مؤخراً، حصل إبراهيم على شهادة تخوّله تدريب المُسعفين. وقد درس الكيمياء التحليلية ويُدرِّس مادة الكيمياء بينما يعمل على إنهاء رسالة الدكتوراه. “إن الخوف الذي أصادفه لا يضعني في خانة الندم بأي شكل من الأشكال. حتى الآن، أعتبر عملي مع جمعية الهلال الأحمر العراقي متنفّساً لي. فهو يقرّبني من الحياة الواقعية والحقيقية، حياة الناس الضعفاء والفقراء. كما يجعلني أدرِك أنني لست فقط أستاذاً في الجامعة يعيش حياة طبيعية مليئة بالاستهلاك والترفيه”.

قد تكون البداية مُربِكة بقدر ما هي مكافِئة. قالت صفا علاء كمال، والتي انضمّت إلى جمعية الهلال الأحمر العراقي في 2016 وتركّز بالكامل اليوم على النساء والأطفال بصفتها الإدارية والتطوّعية: “خلال أول زيارة ميدانية لي، والتي صادف حدوثها في مخيم للاجئين في شمال العراق، شعرت بطوفان من الأحاسيس المتضاربة ما بين جزر ومدّ. من جانب واحد، كانت أعصابي مشدودة خشية أن أفشل في تقديم المساعدة الكافية للنازحين الذين فتحوا لي قلبهم وكشفوا عن معاناتهم الذاتية. ومن جانب آخر، كنت فخورة بأداء دوري في تخفيف العبء عنهم عبر تركهم يشاركونني أحاسيسهم في مساحة آمنة. لقد عزّزوا ثقتي بنفسي كمتطوّعة محبوبة”.

يأتي دافع التطوّع لدى صفا كمال من موقف ديني ومن حسٍّ مجتمعي بالمسؤولية. “المتطوّعون هم عنصر تكوين أساسي في تطوّر المجتمع. وأنا أؤمن بأن الله خلق كل إنسان ليُنجِز هدفاً مميزاً. وقد استوعبت هذا الأمر منذ اليوم الذي عرفت فيه أن كل شخص منّا، بمن فيهم التوائم المتطابقة، لديه بصمة عين فريدة من نوعها. وأنا أخطط للاستمرار في التطوّع مع الجمعية لصالح مجتمعي. أريد أن أترك لأطفالي محيطاً أكثر تقدّماً ووعياً”.

قبل جائحة كوفيد-19، اعتادت صفا كمال على الإسهام في دورات التوعية للنساء، ولكن جرّاء التباعد الاجتماعي وحظر التجوّل، انتقلت إلى تنظيم الزيارات المنزلية، والقيام بها بنفسها أحياناً، في مناطق بغداد لتوصيل معلومات جوهرية عن الوقاية من الفيروس. “النساء لم يُخلَقنَ للإنجاب وتربية الأطفال فقط. فهنّ يساهمنَّ في بناء مجتمع مثقف وصحيّ وواعٍ. أستمتع بكوني متطوّعة وأعيش في حالة من الرضا، ما يملؤني بطاقة إيجابية أستثمرها في رعاية عائلتي وأوازن ما بين الإثنين”.

 

طوال سنوات تطوّعها، لم تتعرّض صفا كمال أبداً لأي تمييز جنسي، “بالعكس، كوني امرأة جعلني متفهّمة أكثر لما تمرّ به العائلات. ومن ملاحظاتي، أجد أن المتطوّعات أكثر إحساساً بالآخرين وتناغماً معهم، وتريد مجتمعاتنا أشخاصاً يعرفون تماماً احتياجاتها ويدركون معاناتها. كما يلعب الزيّ الموحّد بشعار جمعية الهلال الأحمر العراقي دورَ التصريح الرسمي للوصول إلى جميع الأماكن. إن الجمعية مُقَدَّرَة من كل الناس ويُنظر إليها باحترام شديد نظراً لأعمالها الصالحة ودورها الإنساني”.

“هناك دائماً خيبة أمل وفرح”، هذا ما يستنتجه إبراهيم، “وأعتقد أن الفرح يعادل كل شيء آخر ويدفعني للاستمرار. أستطيع أن أرى ما يجري خلف الكواليس. ويساعدني عملي مع جمعية الهلال الأحمر العراقي على الارتقاء الروحي وتخفيف حدّة الميل البشري إلى المصلحة الذاتية والأنانية. لا ينظر الآخرون حولي دائماً من الزاوية نفسها ويتساءلون لماذا أمضي وقتي في مكان لا أكسب فيه المال عندما يمكنني التدريس بدل ذلك. الجواب بالنسبة لي واضح وضوح الشمس: التطوّع يأخذ من وقتي ليعطيني الروحانية الداخلية التي لا يراها إلا من يقوم بفعل التطوّع”