رندة العزير: تقف مجموعة من الناس على جانب الطريق وتبدو عليها علامات التخوّف والنفور. إنهم يمنيون يعيشون في منطقة بعيدة حيث يضع متطوّعون من جمعية الهلال الأحمر اليمني وهم يرتدون أقنعتهم الواقية ملصقات ومطبوعات كجزء من حملة توعية عن جائحة كوفيد-19. كانت هذه المجموعة خائفة من التقاط “المرض” من أولئك الأشخاص المقنّعين. شيئاً فشيئاً، انهال الناس على المتطوّعين بالعديد من الأسئلة، وسرعان ما لمعت عيونهم بلحظة انكشفت فيها الحقيقة عندما سمعوا الإجابات.

مرة أخرى، يتّضح دور اللاعبين والمتطوّعين المحليين الذي لا يُقدَّر بثمن في مجتمعات يعرفونها عن ظهر قلب. فهم يتحدثون لغتها، ويألَفون تقاليدها، ويعرفون جيداً العقلية السائدة فيها. وقد أوضحت زمزم صالح سعد جعيم، مساعدة مسؤول الإعلام في فرع جمعية الهلال الأحمر بمحافظة ذمار، أن “هناك إشاعات جعلت البعض يشمئز منا ونحن نرتدي الكمّامات وكأننا سننقل المرض إليهم! غير أننا واظبنا على تعريفهم بالممارسات الخاطئة وتصحيح المعلومات غير الصحيحة فأصبحوا يساعدوننا في وضع الملصقات!”.

في اليمن، البلد الذي ما زال يعاني من الحرب منذ أكثر من خمسة أعوام، بقيت جمعية الهلال الأحمر اليمني من بين المنظمات الإنسانية القليلة التي احتفظت بحرية ممارسة أنشطتها ومهامها في كافة أنحاء البلاد تقومُ بما تعرفه أكثر: الدعم الإنساني للمجتمعات المتأثِّرة بالصراع والكوارث الطبيعية، وتأمين المساعدات الطبية للنساء والأطفال بشكل خاص، والإعانات الغذائية، وحملات التوعية لمعالجة مخاطر الأمراض مثل الكوليرا والملاريا، ومؤخراً التوعية المجتمعية لدرء خطر كوفيد-19 عبر حملات ميدانية تطال كل المحافظات الـ22 الدولة. ويتولّى تنفيذ حملات التوعية مسؤولو الإعلام في كل فروع جمعية الهلال الأحمر اليمني، يُرافقهم سائقو سيارات الإسعاف و44 متطوعاً ومتطوعة، وذلك من خلال الملصقات وعبر تشغيل رسائل مسجّلَة عن الإجراءات الوقائية.

وقالت نسرين أحمد، مسؤولة الإعلام في جمعية الهلال الأحمر اليمني، عن طبيعة هذه الحملات: “قبل البدء بتنفيذ النشاط، يتمّ التنسيق مع السلطات المحلية في البلاد لتنفيذ حملة توعية ميدانية مباشرة تستهدف جميع الأماكن ذات التضاريس الصعبة التي لا يَسهُل الوصول إليها بسبب طبيعتها الجغرافية والمشاكل التي تمرّ بها فيما يتعلّق بتغطية الهاتف أو الانترنت فضلاً عن ضعف التيار الكهربائي. وتتنوّع هذه المناطق ما بين جبلية، وصحراوية، وساحلية وحتى حدودية. وبعد ذلك، يجري التنسيق بشكل مركزي مع السلطة المحلية داخل كل محافظة لتطبيق النشاط”.

بطريقة مبتكرة تدلّ على فهم عميق للبيئة، عَمِلت جمعية الهلال الأحمر اليمني مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر على إنتاج فلاشات صوتية برسائل توعوية مُبسّطة يستطيع الناس إدخالها إلى حياتهم اليومية وتعديل سلوكياتهم من دون الإحساس بعبء التغيير الشامل أو الذي يضيف إلى الجهود الروتينية اليومية. من هذه الرسائل: “استخدام معقّم اليدين”، “كيف تحمي طعامك في زمن كورونا”، “كيف تحمي نفسك وعائلتك”، “كيف تكافح الخوف”، “كيف تحمي نفسك والآخرين”، “ماذا تفعل إذا بدأت تشعر بالأعراض”، و”متى تستخدم الكمّامة”. وشرحت نسرين أحمد كيف أن رسائل التوعية تُذاعُ عبر مكبّرات الصوت المحمولة على سيارات الإسعاف التي تجول في الحارات ومواقع التجمعات في المناطق النائية ضمن كل محافظة. “نوزّع في 10 مناطق تجمعات ملصقاتٍ ومنشوراتٍ تحتوي على أهم الرسائل التوعوية حول كوفيد-19، وطرق انتقاله، وكيفية الوقاية منه”.

يركّز الهلال الأحمر اليمني على 440 منطقة في اليمن ولا يزور المنازل في هذه الحملة. تتمّ التوعية عبر مكبّرات الصوت والملصقات. وفي حال كانت هناك استفسارات محددة، يشرح مسؤولو الإعلام في فروع جمعية الهلال الأحمر اليمني للأفراد وجهاً لوجه محتوى رسائل التوعية حول كوفيد-19. وقالت نسرين أحمد: “يتدرّب مسؤولو الإعلام المتطوّعون في الفروع سنوياً على مهارات العمل الإعلامي، وأنشطة المشاركة المجتمعية، والإعلام الميداني لتأدية مهماتهم الإعلامية داخل الفروع. كذلك تمّ تدريبهم على يد الفريق الصحي على معلومات الوقاية من الفيروس والأسئلة الأكثر شيوعاً. وهم يملكون الإمكانيات الكافية للقيام بالتوعية، والتوثيق الإعلامي، واللقاءات على الأرض. ونقوم بحملات التوعية هذه بالتعاون مع الصليب الأحمر الدنماركي، والصليب الأحمر الألماني، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، واللجنة الدولية للصليب الأحمر”.

وعلّقت جعيم بالقول: “في الوقت الذي لا تتوفر فيه أدنى مقومات الحياة الطبيعية في المجتمع، من الصعب الطلب من الناس ملازمة منازلهم والالتزام بإجراءات السلامة للوقاية من كوفيد-19. هم لا يملكون ثمن شراء كمّامة أو قفازات للخروج بها. واجهنا مجتمعاً غير متفاعل عندما بدأنا بالتوعية وقابلتنا صعوبات لإقناع السكّان وتعديل أفكارهم عن الفيروس. إلا أننا رفعنا نسبة الوعي وساعدنا الناس، ما نعتبره إنجازاً بحدّ ذاته”.

يقول أحمد، أحد سكّان تلك المناطق البعيدة: “كالعادة، نرى جمعية الهلال الأحمر اليمني متواجدة وتقدّم أهم المعلومات التي ساعدتنا في تعديل بعض معلوماتنا غير الصحيحة عن الفيروس. ظروفنا صعبة ونحتاج إلى معدات للحماية لا نستطيع شراءها. ليس لدينا ماء. وإذا توفّر، فهو يكفي حاجتنا للشرب وليس للتأكد من غسل أيدينا بشكل مستمر”. ووجّه أحمد نداءً للجميع من أجل تأمين المساعدات المطلوبة الى جانب التوعية للوقاية من الفيروس.

خلفية عامة:

جمعية الهلال الأحمر اليمني هي منظمة إغاثية طوعية مستقلة. تأسّست قبل نصف قرن من الزمن في العام 1968 لاعتبارات وغايات إنسانية خالصة. وهي تعمل كمنظمة مساعدة في مجال تقديم الخدمات الإنسانية في جميع أرجاء البلاد. تمارس نشاطها وفق الدستور اليمني، ومعاهدات جنيف، والمبادئ الأساسية للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، والتي تمارس نشاطها كجزء منها.