ولاية الوادي – في الوقت الذي عرف فيه العالم الانتشار السريع لكوفيد-19، انصّب تفكير الهلال الأحمر الجزائري على كيفية الوصول إلى المناطق النائية والمعزولة للقيام بعمليات التوعية وشرح سُبل الوقاية وأهمية احترام مبدأ التباعد الاجتماعي للحدّ من أخطار هذا الفيروس. كما قدّم الهلال الأحمر الجزائري المساعدة والمرافقة الطبية في المناطق النائية بولاية الوادي التي تقع في الجنوب الشرقي من الجزائر.

يعتبر الوصول إلى هذه المناطق مهمة شاقة ومليئة بالمفاجآت. وتستغرق رحلة فريق الهلال الأحمر الجزائري لبلوغ هذه المناطق بين 10 ساعات إلى يومين بحسب جدول برنامج الاستجابة الذي تمّ وضعه. تحتاج هذه القافلة التي تنطلق من مقرّ الهلال في ولاية الوادي إلى توفّر عنصريين أساسيين؛ يتمثّل العنصر الأول في الكادر البشري المؤهّل (وهو فريق على مستوى عالٍ من التدريب ولديه معرفة بمسالك وطرقات تلك المناطق وقدرة على التواصل). أمّا العنصر الثاني، فهو الجانب اللوجيستي من خلال ضرورة توفر سيارات رباعية الدفع والأكل والشرب.

وقد اعتاد الهلال الأحمر الجزائري على أن يُستقبل بحفاوة عالية من قِبَل العائلات التي الموجودة في المناطق النائية، والتي تجد الهلال الأحمر دائماً إلى جانبها لأنه جهة مقبولة من خلال النشاطات التي يقوم بها. وصرّح سالم بو صلاح، المُسعف الميداني والمشرف على مواقع التواصل الاجتماعي التابعة للهلال الأحمر الجزائري بالقول: “لا يجد المتطوعون مشكلة في تعريف العائلات بالهلال الأحمر الجزائري ومهماته الإنسانية. فعلاقتنا بهم تعود لسنوات عديدة ماضية. ويمثّل لهم علم الهلال المرفوع على سيارات الدفع الرباعي دائماً بارقة الأمل والمساعدة.

تعاني هذه المناطق النائية مقارنة بغيرها من المناطق الحضرية من غياب وسائل التواصل كالهاتف وشبكة الإنترنت التي تسمح بالاطلاع على المستجدات والوصول إلى المعلومات أو حتى القيام بالبحث عنها. بالإضافة إلى انعدام الكهرباء، ما يحرم هذه المناطق من امتلاك أجهزة التلفاز لمتابعة الأخبار أو معرفة مخاطر الفيروس وطرق انتشاره. بالإضافة إلى المستوى التعليمي المحدود. ولكن تتميز هذه المناطق بالتنوّع والاختلاف، وهنا يكمن الدور الإيجابي الذي يلعبه متطوع الهلال الأحمر الجزائري من خلال القوافل المسيّرة إلى هذه المناطق وتضمّ الطبيب والممرض ومتطوعي الصحة المجتمعية. وتتعلّق عملية استجابة الهلال الأحمر الجزائري بتطوير رسائل التوعية وطرق الوقاية بما يتماشى مع طبيعة المجتمعات المحلية، سواء أكان من حيث اللهجة أو العادات الاجتماعية. ويزوّدهم الهلال الأحمر بمواد غذائية ومياه صالحة للشرب، ويقوم بعملية الكشف الطبي باعتبار أن هذه المناطق بعيدة عن مرافق الصحة الضرورية. يتميز البدو الرحل بأنهم لا يستقرّون في مكان واحد، وهم معروفون بالانتقال وسط الصحراء الشاسعة على الشريط حدودي بين الجزائر وتونس مثلما يخبرنا مسعود الطيب، الممرض لدى الهلال الأحمر الجزائري والمتطوع منذ 2012، “يؤدي التنقل من مكان إلى آخر إلى الاختلاط. هكذا تصبح هذه العائلات أكثر عرضة للأمراض المنقولة عبر الماء والأمراض المعدية. كما أن الأطفال لا يأخذون اللقاحات بشكل منتظم، لذا نعطيهم هذه اللقاحات ونزوّدهم بها”.

هذه القوافل التي تسير لفائدة عائلات البدو الرحّل المتواجدة في مناطق نائية ومعزولة ليست الأولى من نوعها، إنما تدخل في قلب مخطط النشاط السنوي للهلال الأحمر الجزائري وفي صلب الإستراتيجية المعتمدة في إطار المخطط الرباعي 2018-2022. غير أنه في ضوء انتشار كوفيد-19 والاستعجال للسيطرة عليها، تمّ تكثيف هذه الزيارات مع متطوعي الهلال الأحمر الجزائري في مجال الصحة المجتمعية، والإعلام والاتصال، والإسعاف الميداني، والخلية النسوية وحماية الطفولة وفق ما صرّح به السيد بوضياف سعيد، رئيس اللجنة الولائية لولاية الوادي. وأوضح أن هذه المناطق، وبالتنسيق مع الحماية المدنية والصحة العسكرية، استفادت حتى الآن من توزيع 2000 طرد غذائي على 773 عائلة، بينها 800 طفل وأكثر من 113 مسنّ. وشرح الطيب أنه يقدّم خدمة صحية في المستشفى حيث يعمل لمساعدة العائلات المعوزة وغير القادرة على العلاج أو الانتقال إلى المستشفيات نظراً لبُعدِ المسافة. وقال إن الهلال الأحمر الجزائري يجري أيضاً عمليات توعية وتعقيم.

إن ما يقوم به الهلال الأحمر الجزائري أمر في غاية الأهمية، وينطلق من عملية الإعداد والتخطيط لمثل هذه العمليات بحكم ضرورة معرفة طبيعة وهيكلية وتركيبة عائلات البدو الرحّل الاجتماعية. فالرجال لا يمكنهم بطريقة مباشرة التواصل مع النساء هناك، ما يدفع العنصر النسوي إلى المشاركة في مثل هذه العمليات والتأكد من توصيل رسائل التوعية وتوسيع نطاق الخدمة وتحقيق الأهداف التي يرسمها الهلال الأحمر. ويضيف الطيب قائلاً: “أغلب هذه العائلات تعتمد على التداوي بالأعشاب كعلاج رئيسي، ولكن أحياناً يمثّل ذلك خطراً، خاصة على النساء والحوامل والأطفال. لذا، عملنا هام جداً في تقديم هذه المساعدة الصحية والغذائية”.

كغيرها من المناطق الأخرى، عرفت مناطق البدو الرحّل انعكاسات انتشار كوفيد-19 على الصعيد الاقتصادي. وبما أنها تعتمد على الفلاحة وتجارة المواشي، كانت لإجراءات الحجر وتقييد التنقّل آثار سلبية عليها. هنا حرص الهلال الأحمر الجزائري على القيام بهذه العمليات الإنسانية متعددة الأبعاد من خلال جملة نشاطات، وعلى رأسها توزيع المواد الغذائية التي مكّنت هذه العائلات من تجاوز الآثار الاقتصادية بسبب الفيروس.

خلفية عامة:

تأسّس الهلال الأحمر الجزائري سنة 1956 خلال ثورة التحرير وكان يعتني بقضايا اللاجئين الجزائريين. ويُعدّ الهلال الأحمر الجزائري أقدم منظمة إنسانية في الجزائر، وبدأ عمله الأول في معالجة جرحى الحرب. بعدما اعترفت به الدولة كمؤسسة وطنية وحيدة في مجال الإغاثة التطوعية المستقلة، انضمّ إلى الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في يوليو/تموز 1963. تغطّي فروعه 48 ولاية مع وجود مكتب له في كل مدينة يحتوي على عدة لجان تقدّم الخدمات الطبية الأساسية والمساعدات الإنسانية والخيرية ومجموعة أخرى من الأنشطة البيئية، والرياضية، والفنية.